وثيقة المدينة ودورها في إرساء المواطنة

د. عبد العزيز محمد الخلف – أستاذ الحديث النبوي الشريف

تقول بعض المصادر: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما قَدِمَ المدينة المنورة كَتَب صحيفةً أو كتابًا أو وثيقةً بينه -بصفته ممثلًا لمسلمي المدينة- وبين بقية سكان المدينة من عربٍ ويهود، لكن التساؤل الذي يطرح نفسه: هل صحت هذه الحادثة، وهل لهذه الوثيقة أي أصول مثبتة في كتب السنة المطهرة؟ وفي الجواب عن هذا نجد أن أقوال العلماء قد تباينت تباينًا شديدًا بين من يقول: إن الخبر قد تواتر، ومن يقول: هذه الوثيقة موضوعةٌ مكذوبةٌ.

هذه الوثيقة -إن صحت- تحوي كثيرًا من المبادئ الدستورية التي تسهم بشكلٍ كبيرٍ في تأسيس حياةٍ مدنيةٍ تعطي حقوقًا متساويةً لكل سكان المدينة بعيدًا عن أعراقهم وأديانهم، وسنحاول في هذا البحث تسليط الضوء على هذه الوثيقة ودراستها من ناحيتَي الإسناد والمتن، ولا بد من الإشارة إلى أن هناك بضع دراسات تناولت هذا الموضوع منها:

  • “مفهوم المواطنة في الشريعة الإسلامية، صحيفة المدينة المنورة نموذجًا”، للدكتور علي نديم الحمصي. تحدث فيها عن مفهوم المواطنة ومضمون صحيفة المدينة، والمبادئ التي كرستها الصحيفة، ولم يتطرق لثبوت الصحيفة كما لم يتناول معالم المواطنة.
  • –  “وثيقة المدينة، دراسة في المصادر المبكرة وآراء المستشرقين”، محمد جواد فخر الدين ومشتاق الغزالي. ورغم أنهما تعرضا لذكر كثير من المصادر التي ذكرتها تامة أو مجتزأة إلا أنهما أغفلا الحديث عن سندها في كلٍّ من شكلَي إيرادها، ولم يعتنيا بالحديث عن مضمون الوثيقة وإبراز معالم المواطنة فيها.
  • –  “صحيفة المدينة بين الاتصال والإرسال”، للدكتور حاكم المطيري، قصر دراسته على تخريج الوثيقة والحكم عليها.

والجديد الذي تقدمه هذه الدراسة أمران؛ الأول: البحث عن أصول وثيقة المدينة في كتب السنة المعتمدة، وصولًا إلى إثبات أصل هذه الوثيقة وصحة قيام النبي صلى الله عليه وسلم بكتابتها، وإيضاح بعض المقتطفات التي أوردتها هذه الكتب الأصول منها. والثاني: التركيز على معالم المواطنة في هذه الوثيقة، وبيان دور هذه الوثيقة في إرساء المواطنة في مجتمع المدينة.

يهدف هذا البحث إلى تحقيق جملة من الأهداف منها: دراسة طرق هذه الوثيقة وأسانيدها المختلفة، وبيان مدى صحة هذه الوثيقة ودرجتها في علم الحديث، وتوضيح معالم المواطنة في الإسلام، وكشف دور هذه الوثيقة في إرساء التعايش بين مكونات المجتمع المدني. وتتضمن هذه الدراسة مبحثين رئيسين، أحدهما عن أسانيد الوثيقة والآخر عما انطوت عليه من مفاهيم، وفي النهاية خاتمة تتضمن أهم نتائج البحث.

المبحث الأول: دراسة الوثيقة إسنادًا

أولًا: نصُّ الوثيقة

وردت وثيقة المدينة في عدة مصادر، تنوعت بين من ساقها بطولها كابن إسحاق، ومن اقتصر على مقاطع منها، ونورد هنا سياقة ابن إسحاق لها لأنه ذكرها كاملةً، قال ابن إسحاق:

(وكتب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وادَعَ فيه يهودًا وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، وشرط لهم واشترط عليهم: بسم الله الرحمن الرحيم،

  1. هذا كتاب من محمد النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم، فلحق بهم وجاهد معهم: إنهم أمة واحدة من دون الناس.
  2. المهاجرون من قريش على رَبعتهم يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  3. وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  4. وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  5. وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  6. وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  7. وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  8. وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  9. وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  10. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
  11. وإن المؤمنين لا يتركون مُفْرَحًا([1]) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
  12. وأن لا يحالف مؤمنٌ مولى مؤمنٍ دونه.
  13. وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا، ولو كان ولدَ أحدهم.
  14. ولا يَقْتُل مؤمنٌ مؤمنًا في كافر.
  15. ولا يَنْصُر كافرًا على مؤمنٍ.
  16. وإن ذمة الله واحدةٌ، يجير عليهم أدناهم.
  17. وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
  18. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم.
  19. وإن سِلْمَ المؤمنين واحدةٌ، لا يسالَم مؤمنٌ دون مؤمنٍ في قتالٍ في سبيل الله إلا على سواءٍ وعدلٍ بينهم.
  20. وإن كل غازيةٍ غزت معنا يعقب بعضها بعضًا.
  21. وإن المؤمنين يَبِيءُ بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله.
  22. وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
  23. وإنه لا يجير مشركٌ مالًا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمنٍ.
  24. وإنه من اعتبط مؤمنًا قتلًا عن بينةٍ فإنه قَوَد به إلا أن يرضى ولي المقتول.
  25. وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيامٌ عليه.
  26. وإنه لا يحل لمؤمنٍ أقرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن يَنْصُر مُحْدِثًا ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرفٌ ولا عدلٌ.
  27. وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيءٍ فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.
  28. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
  29. وإن يهود بني عوف أمةٌ مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يُوتِغُ إلا نفسَه وأهل بيته.
  30. وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
  31. وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
  32. وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
  33. وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
  34. وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
  35. وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
  36. وإن جفنة بطنٌ من ثعلبة كأنفسهم.
  37. وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف.
  38. وإن البر دون الإثم.
  39. وإن موالي ثعلبة كأنفسهم.
  40. وإن بطانة يهود كأنفسهم.
  41. وإنه لا يخرج منهم أحدٌ إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.
  42. وإنه لا ينحجز على ثأر جرح.
  43. وإنه من فَتَك فبنفسه فَتَك وأهل بيته، إلا من ظلم، وإن الله على أبرِّ هذا.
  44. وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.
  45. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
  46. وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم.
  47. وإنه لم يأثم امرؤٌ بحليفه.
  48. وإن النصر للمظلوم.
  49. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
  50. وإن يثرب حرامٌ جوفها لأهل هذه الصحيفة.
  51. وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
  52. وإنه لا تُجَارُ حرمة إلا بإذن أهلها.
  53. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
  54. وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
  55. وإنه لا تُجَار قريش ولا من نصرها.
  56. وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.
  57. وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.
  58. وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة([2]).
  59. وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه.
  60. وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
  61. وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم.
  62. وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثم.
  63. وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”([3]).

هذا نص الوثيقة كما عند ابن إسحاق، وقد ذكر نص هذه الوثيقة ابن زنجويه في كتابه الأموال بمثل ما ذكرها ابن إسحاق، مع بعض الخلافات في بعض الكلمات([4]).

ثانيًا: المصادر التي أخرجت الوثيقة

بعد البحث والتقصي وجدتُ أن هذه الصحيفة قد رويت بأسانيد متعددة، منها ما رواها كاملة ومنها ما روى بعضها أو أشار إليها فقط.

1- روايتها تامة:

  1. رواها ابن إسحاق بغير إسناد([5])، ورواها البيهقي في سننه الكبرى من طريق ابن إسحاق، قال: حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق، قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هذا الكتاب. فلعل طريق البيهقي هي الطريق التي أخذ ابن إسحاق الحديث عنها([6]).
  2. رواها ابن أبي خيثمة فأسندها: حدثنا أحمد بن جناب أبو الوليد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، فذكر نحوه([7]).
  3. رواها ابن زنجويه في كتابه الأموال مرسلةً فقال: حدثني عبد الله بن صالح، حدثني الليث، حدثني عقيل عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب([8]).
  4. رواها القاسم بن سلَّام في كتابه الأموال مرسلةً فقال: حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح قالا: حدثنا الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب أنه قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بهذا الكتاب([9]). وسند هذه الطريق مثل سند ابن زنجويه إلا أن القاسم يرويه عن شيخيه: يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صالح، بينما يرويه ابن زنجويه عن شيخه عبد الله بن صالح فقط.
  5. رواها البيهقي من طريق ابن إسحاق فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار، ثنا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، حدثني عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق، قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الكتاب، كان مقرونًا بكتاب الصدقة الذي كتب عمر للعمال…([10]).

هذه هي الطرق التي وردت منها الوثيقة بنصها الكامل، والتطابق كبير بين سائر الروايات سوى بعض التقديم والتأخير في العبارات أو اختلاف بعض المفردات أو زيادة بنودٍ قليلةٍ، ولا يؤثر هذا الاختلاف على مضمونها العام.

أما من روى أجزاء منها فهم:

  1. عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه الذي كتبه بين قريش والأنصار: «لا يتركون مفرحًا أن يعينوه في فكاك أو عقل»([11]) وهي روايةٌ مرسلةٌ.
  2. مسلم في صحيحه قال: حدثني محمد بن رافع، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله، يقول: كتب النبي صلى الله عليه وسلم: «على كل بطن عقوله»، ثم كتب: «أنه لا يحل لمسلم أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه»، ثم أخبرت أنه لعن في صحيفته من فعل ذلك([12]). وهذا إثبات لأصل الصحيفة، حيث نص على أنه لعن في صحيفته من والى مولًى بدون إذن مواليه.
  3. أحمد في مسنده قال: حدثنا سريج، حدثنا عباد، عن حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار: “أن يعقلوا معاقلهم، وأن يفدوا عانيهم بالمعروف، والإصلاح بين المسلمين”([13]). ورواه أيضًا عن نصر بن باب عن حجاج بالسند ذاته([14]). وهذا إثبات لأصل الصحيفة أيضًا حيث قدَّمَ بأن هذا من كتابه المكتوب بين المهاجرين والأنصار.
  4. أحمد في مسنده قال: حدثني سريج، حدثنا عباد، عن حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، مثله([15]).
  5. أبو داود قال: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس أن الحكم بن نافع حدثهم قال: أخبرنا شعيب، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف يهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، والمشركون يعبدون الأوثان، واليهود وكانوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فأمر الله عز وجل نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله: {ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [آل عمران: 186] الآية، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة، وذكر قصة قتله، فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون، فغدوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: طُرق صاحبنا فقتل، «فذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يقول، ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينهم وبين المسلمين عامةً صحيفة»([16]). هذه هي طرق هذه الوثيقة عند من رواها كاملة أو اقتصر على أجزاء منها.

ثالثًا: دراسة أسانيد الوثيقة والحكم عليها

دراسة أسانيد الوثيقة:

من خلال ما سبق يتبين أن لهذه الوثيقة ثلاث طرق هي:

الطريق الأولى: طريق الإمام الحافظ الحجة في الحديث والمغازي محمد بن شهاب الزهري، رواها مرسلة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورواها عن الزهري عقيل بن خالد، وعن عقيل أخذها الليث بن سعد الفهْمي، وعن الليث أخذها كل من يحيى بن عبد الله بن بكير وعبد الله بن صال. وهذه الطريق مع جلالة رواتها إلا أنها ضعيفة لأنها مرسلة.

الطريق الثانية: طريق كثير بن عبد الله بن عمرو المزني عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن كثير أخذها عيسى بن يونس، وعنه أخذها أحمد بن جناب أبو الوليد، وعنه أخذها ابن أبي خيثمة. وهذه الطريق ضعيفة، فكثير بن عبد الله ضعيف، رماه بعضهم بالكذب، لكن التحقيق أنه ضعيف لا كذاب([17]).

الطريق الثالثة: طريق إمام المغازي محمد بن إسحاق بن يسار، رواها في كتابه بغير سندٍ، ورواها البيهقي من طريق ابن إسحاق قال: حدثني: عثمان بن محمد بن عثمان بن الأخنس بن شريق، قال: أخذت من آل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- هذا الكتاب. وهذه الطريق التي رواها ابن إسحاق من غير إسنادٍ ضعيفةٌ أيضًا لأنها مرسلة، وليس في رواية البيهقي من طريقه ما يقتضي الجزم بأنها عند ابن إسحاق بالإسناد نفسه، فلا يمكن تصحيح كامل الوثيقة، وأمَّا الطرق المختصرة فهي:

الطريق الأولى: الزهري مرسلًا، الطريق الثانية: جابر بن عبد الله رضي الله عنه، الطريق الثالثة: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، الطريق الرابع: ابن عباس رضي الله عنه، الطريق الخامسة: عبد الله بن كعب بن مالك رضي الله عنه، وهذه الطرق فيها الصحيح وفيها الضعيف، ولسنا بصدد نقدها واحدة واحدة لأن مجموعها يثبت أصل الوثيقة.

رابعًا: الحكم على الوثيقة

بعد أن ذكرنا طرق هذه الوثيقة سواء من رواها تامة أو مختصرة نستطيع القول بأن:

  1. من ادعى أن هذه الوثيقة متواترة فقد بالغ مبالغة كبيرة، ولعله خلط بين التواتر والشهرة النسبية.
  2. لقد أخطأ من ادعى وضعها لثبوت بعضها بأسانيد صحيحة ومجملها بأسانيد ضعيفة.
  3. لا شك أن للوثيقة أصلًا، وهي ثابتة، ولكن الخلاف في مضمونها.
  4. يمكن القول بأن إسناد هذه الوثيقة حسنٌ، وهو من باب الحسن لغيره، وقد صحت أجزاء منها بطرق صحيحة.

خامسًا: تاريخ كتابة الوثيقة

يقول الدكتور أكرم ضياء العمري: “الراجح أن الوثيقة في الأصل وثيقتان ثم جمع المؤرخون بينهما، إحداهما تتناول موادعة الرسول صلى الله عليه وسلم لليهود، والثانية توضح التزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار وحقوقهم وواجباتهم، ويترجح عندي أن وثيقة مواعدة اليهود كتبت قبل موقعة بدر الكبرى، أما الوثيقة بين المهاجرين والأنصار فكتبت بعد بدر، فقد صرحت المصادر بأن موادعة اليهود تمت أول قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة…، أما الوثيقة بين المهاجرين والأنصار فقد كتبت بعد وثيقة موادعة اليهود في السنة الثانية من الهجرة”([18]).

وهناك رأي آخر مخالف لذلك يقول: “أما القول بأن الوثيقة في الأصل وثيقتان ثم جمع المؤرخون بينهما فهو قول ضعيف يفتقر إلى الدليل والبيان”([19]).

والذي يترجح -والله أعلم- أن هذه الوثيقة وثيقتان كما قاله العمري، لأن الوثيقة تتحدث عن أمرين منفصلين: الأول علاقة الدولة المسلمة بمن جاورها من اليهود، والثاني علاقة المسلمين بعضهم مع بعض، ولا شك أن الأمرين مختلفان خاصة أن بعض المحدثين نصَّ مرات على وثيقة المهاجرين والأنصار دون ذكر اليهود.


([1]) قال ابن هشام: الْمُفْرَح المثقل بالدين والكثير العيال، قال الشاعر: (إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة … وتحمل أخرى أفرحتك الودائع).

([2]) قال ابن هشام: ويقال “مع البر المحسن من أهل هذه الصحيفة”.

([3]) عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، ط2، (مصر: مكتبة مصطفى البابي الحلبي، 1375هـ/1955م)، (1: 501-504).

([4]) حميد بن مخلد بن زنجويه، الأموال، ط1، (السعودية: مركز الملك فيصل، 1406هـ/1986م)، (2: 466-470).

([5]) ابن هشام، السيرة النبوية، (1: 501).

([6])  أحمد بن الحسين البيهقي، السنن الكبرى، ط3، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1424هـ/2003م)، (8: 184).

([7]) هكذا ذكر ابن سيد الناس في كتابه عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، 1: 229. وقد روى جزءًا منها البيهقي في سننه الكبرى من طريق كثير هذا (8: 185).

([8])  ابن زنجويه، الأموال، (2: 466).

([9]) القاسم بن سلام، الأموال، د. ط، (بيروت: دار الفكر، د.ت)، (260).

([10]) البيهقي، السنن الكبرى، (8: 184).

([11]) عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المصنف، ط2، (الهند: المجلس العلمي، 1403ه)، (9: 408).

([12]) مسلم بن الحجاج، الصحيح، د. ط، (بيروت: دار إحياء التراث العربي، د. ت)، العتق، باب تحريم تولي العتيق غير مواليه، حديث رقم (1507).

([13]) أحمد بن حنبل، المسند، ط1، (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1421هـ/2001م)، (4: 258).

([14]) ابن حنبل، المسند، (11: 504).

([15]) ابن حنبل، المسند، (4: 258).

([16]) أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، السنن، د. ط، (بيروت: المكتبة العصرية، د.ت)، الخراج، باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة، حديث رقم (3000).

([17]) محمد بن أحمد الذهبي، ميزان الاعتدال، ط1، (بيروت: دار المعرفة، 1382هـ/1963م)، 3: 406، وأحمد بن علي بن حجر، تهذيب التهذيب، ط1، (الهند: مطبعة دائرة المعارف النظامية، 1326ه)، (8: 421).

([18]) أكرم ضياء العمري، السيرة النبوية الصحيحة، ط6، (المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم، 1415هـ/1994م)، (272).

([19]) محمد الدوشن، ما شاع ولم يثبت في السيرة النبوية، د. ط، (الرياض: دار طيبة، د.ت)، (91).

مقالات ذات صله